ولمَّا كانَ المساء، أَتَوه بِكثيرٍ مِنَ المَمسُوسين، فَطَرَدَ الأَرواحَ بِكَلِمَةٍ مِنه، وشَفى جَميعَ المَرْضى، لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: هوَ الَّذي أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا - متّى 8: 16-17
.
في الصباح علّم يسوع الجموع، وفي المساء، عند غياب الشمس، حين لا يفضح النور ما نريد أن نكتمه، خرجنا ومعنا جروحنا، ومعنا مرضانا. كلّمنا في الصباح بكلمات لم يكلّمنا بها أحد. دخل إلى قلوبنا ونحن نثق به. نثق أنّه لن يسخر من ضعفنا ولن يحكم علينا. قال إنّه أتى من أجل المرضى لا من أجل الأصحّاء وأنّ من يدّعي أنّه سليم صحيح وينظر بتعالٍ إلى الآخرين سيجد نفسه وحيدًا في أوهامه، أمّا الّذي يقرع الباب سيجد من يفتح له. ذكّرنا بكلام أشعيا النبيّ الّذي قال إنّ خادم الربّ لا يكسر القصبة المرضوضة ولا يطفئ الفتيل المدخّن. ونحن كالقصبة المرضوضة وكالفتيل المدخّن. لهذا خرجنا في الليل. في الليل، تحت ستار الظلام، نعم، لأنّ الخوف ما يزال يطبق علينا، ولكنّا خرجنا لأنّ الرجاء بدأ يشرق فينا
.
بطرس واحد منّا، لم يسلم بيته من المرض ولم يسلم قلبه من اليأس. ولكنّ بيته صار بيتنا جميعًا منذ أن دخله يسوع. ونحن نعلم أنّ من يشفيه يسوع يستقبل في بيته كلّ من يطلب الشفاء. نعلم أنّنا وإن كنّا ضعفاء غير قادرين على تخليص أنفسنا، إلاّ أنّ الربّ الّذي فتحنا له بابنا يعمل فينا من أجل الآخرين ويخرج من أغصاننا اليابسة فروعًا خضراء حيّة تعطي الثمار للكثيرين. نعلم أيضًا أنّه حين يطبق اليأس على عيوننا لا نرى الفروع الخضراء ولا نرى ثمار الحياة ولكنّنا نعرف أنّ من وعدنا بالحياة صادق
.
هل أضحك على نفسي؟ هل أقنع نفسي بما لا يصدّق؟ هل اشتدّ عليّ المرض حتّى أنّي صرت ضحيّة السراب؟ هل أوهم نفسي بشفاء ليس موجودًا؟ ولمَ يكون يسوع هذا أحسن من غيره؟ لمَ يكون أحسن من تجّار السعادة الّذين نراهم في كلّ مكان؟ ولكنّ كلماته أخرجتني من ظلمتي لأنّه لا يتكلّم مثل الآخرين. هم يريدوني أن أنسى ألمي وهو يلتقيني في ألمي. هم يعدوني بمستقبل يعوّض عليّ حزن الماضي وهو يعدني بمستقبل يعطي الماضي معنى ويسير به إلى غايته. هم لا يقدرون أن يشفوا الزمن الّذي ولّى أمّا هو فيعدني بالقيامة
.
وكيف؟ هل المعجزات سحر؟ إن كان لديه هذه القدرة لمَ يختفي في بيت حقير؟ لمَ يختبئ في جسم إنسان؟ لم يتعرّض للإهانة وللموت مثلنا؟ ولكنّ معجزاته ليست سحرًا. معجزاته هي تبادل: يأخذ منّي مرضي ويعطيني صحّته، يأخذ منّي موتي ويعطيني حياته. يقول: قصّتك هي قصّتي، أحزانك أحزاني وأفراحك أفراحي، ألمك آلامي وتعبك تعبي وراحتك راحتي. قصّتك قصّتي وقصّتي قصّتك ولأنّ قصّتي تبدأ عند الله وتنتهي عند الله فأنت قصّتك لم تبدأ يوم ولدتَ أنتَ بل بدأت يوم ولدني الآب قبل كلّ الدهور، وقصّتك لن تنتهي حين تلفظ أنفاسك الأخيرة بل ستبقى بالله للأبد
.
يقول: قد وحّدتُ مصيرك بمصيري وأبي هو اليوم أبوك، وإلهك هو اليوم إلهي، روحي هو اليوم فيك ولك ومعك. أنا لحبيبي وحبيبي لي. ألق حملك عليّ وخذ حملي والقه عليك. وحين يشفى قلبك سيتّسع بيتك لإخوتي كلّهم
.
أدخل البيت. على يميني منزوفة تضيع حياتها هدرًا ولا تستطيع التوقّف كما أنا يضيع منّي الوقت وكلّما حاولت تنظيمه ازداد إهداره، كما أنا أهدر حياتي في إدماني، في قلقي، في حيائي، في كسلي. وعلى شمالي مشلول يحمله إخوته على وجهه أقرأ رغبة في المغفرة أكثر من الرغبة في المشي، وكأنّ إرادته مشلولة أكثر من جسده. أقف أمام الربّ. ينظر إليّ وأنظر إليه. أفهم أنّه عرف كلّ شيء. ولا أرى حكمًا في عينيه، ولا حتّى شفقة، بل أرى تصميمًا وكأنّه يأخذ قرارًا، أرى صلاة وكأنّه يذكرني باسمي أمام أبيه، أرى في عينيه أنّه سيمضي من أجلي إلى حيث أنا لا أجرؤ على الذهاب
.
قال بطرس للربّ: أتبعك حيث تمضي. قال الربّ: ستنكرني ولكن لا تخف لأنّي سأدعو لك لكي لا تفقد إيمانك وحين تعود تثبّت إخوتك. قال بطرس: لا بل أمضي معك. قال الربّ: حيث أمضي لا تستطيع اليوم أن تأتي، ولكنّك ستأتي لاحقًا
.
أعلم يا ربّ وفي قلبي غصّة أنّي لا أستطيع أن أبذل ذاتي من أجلك. لا زلت أنانيًّا ولم أشفَ بعد. يؤلمني أن أراك تمشي الطريق من أجلي وأنا أختبئ. ولكنّي أومن بكلامك: تعدني أنّي سأتبعك يومًا وأنا أعرف أنّ وعودك صادقة
.
أعلم يا ربّ وفي قلبي غصّة أنّي لا أستطيع أن أبذل ذاتي من أجلك. لا زلت أنانيًّا ولم أشفَ بعد. يؤلمني أن أراك تمشي الطريق من أجلي وأنا أختبئ. ولكنّي أومن بكلامك: تعدني أنّي سأتبعك يومًا وأنا أعرف أنّ وعودك صادقة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق