١٩ آذار ٢٠٠٨

رجاء

إِخعَلْني كخاتَمٍ على قَلبِكَ كخاتَمً على ذِراعِكَ
فإِنَّ الحُبَّ قَوِيٌّ كالمَوت والهَوى قاسٍ كمَثْوى الأَمْوات
سِهامهُ سِهامُ نار ولَهيبُ الرَّبّ
المِياهُ الغَزيرةُ لا تَستَطيعُ أَن تُطفِئَ الحُبّ والأَنْهارُ لا تَغمُرُه
ولَو بَذَلَ الإنسان كُلَّ مالِ بَيته في سَبيلِ الَحُبّ لاْحتُقِرَ اْحتِقارًا (نشيد الأناشيد 8: 6-7)
.
والرَّجاءَ لا يُخَيِّبُ صاحِبَه،َ لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا
لَمَّا كُنَّا لاَ نَزالُ ضُعَفاء، ماتَ المسيحُ في الوَقْتِ المُحدَّدِ مِن أَجْلِ قَوْمٍ كافِرين،
ولا يَكادُ يَموتُ أَحَدٌ مِن أَجْلِ امرِئٍ بارّ، ورُبَّما جَرُؤَ أَحَدٌ أَن يَموتَ مِن أَجْلِ امرِئٍ صالِح.
أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنًَّا خاطِئين (روما 5: 5-8)

.
ربّما كان خوفنا الأكبر والأعمق هو خوفنا من أن يخفق الحبّ
.
للوهلة الأولى يبدو هذا الكلام مبالغًا فيه. ما عساها تقول تلك الأمّ الّتي ترى ابنها يموت عطشًا أمام عينيها وليس بمقدورها أن تفعل شيئًا؟ أليس خوفها من الجفاف أكبر؟ أم هؤلاء وما أكثرهم الّذين يرزحون تحت وطأة الحروب، أليس خوفهم الأكبر هو أن تشتعل السماء بالقنابل؟ بل ما أبسط مخاوفنا اليوميّة وما أرهبها: أن يطردني ربّ العمل في زمن لا يجد فيه المرء عملاً إن لم تكن له معارف متينة، أن يشتدّ البرد على مدينة فيها من ليس له سقف يحتمي تحته، أن ينشغل والديّ عنّي بالعمل "في سبيلي" أو أن أقضي أمسية أخرى لا رفيق لي من البشر.
.
أليست هذه المخاوف أكبر من أن يخفق الحبّ؟
بل هي كلّها أمثلة عن إخفاق الحبّ.
فمغامرة البشريّة كلّها ليست إلاّ جوابًا لم ينته بعد عن هذا السؤال: هل الإنسان قادر على الحبّ أم لا؟
وفي تحدّيات الحبّ اليوميّة يجد تاريخ البشر معناه
في علاقتي بحبيبتي، في علاقتي بأفراد عائلتي، بأقاربي وجيراني وزملائي، في علاقتي بالبشر أقول كلمتي لو أنّ الحبّ ينتصر أو يخفق، لو أنّ للسلام فرصة وللأخوّة مكان في عالمنا. هذا المكان أنا أحضّره. فما أعظم مسؤوليّتي.
.
حين قال يسوع أنّ فلسي الأرملة يبنيان هيكلاً أجمل وأبقى من الهيكل الّذي تبنيه أموال الأغنياء كان يعني أنّ مصير الله بين البشر لا تحدّده الأموال والسلاطين ولكنّه يعمل في قلب امرأة تلقي ما عندها لأجل من تحبّ.
.
ولكن إن كان مصير الله بين البشر يتعلّق بحبّنا فيا لنا من أشقياء تعساء. فحبّنا محدود ومشروط.
إلى أيّ مدى أنا مستعدّ أن أذهب في سبيل الحبّ؟
هذا السؤال هو امتحان الحبّ
أطرحه على نفسي فأتيه إمّا في الكبرياء وإمّا في اليأس وكلاهما سيّان
أطرحه على حبيبي فيبتعد عنّي وأغرق في وحدتي وحزني
ما أكثر العلاقات الّتي تتلف لأنّها تتطلّب البراهين، لأنّها تطرح الامتحان الصعب
وفي هذا الامتحان نرسب لأنّ حبّنا محدود ومشروط
.
حبّنا في صراع
صراع ضدّ النسيان، صراع ضدّ الملل، ضدّ الزمن، ضدّ الموت
وطالما يصارع حبّنا وحيدًا لا رجاء له
حين يروي حبّنا قصّة حبّ أعظم، قصّة حبّ يذهب إلى النهاية، يجد حبّنا رجاء جديدًا
حين يرتوي حبّنا من حبّ غير مشروط وغير محدود يجد طاقة جديدة ليكمل الصراع
حين يختبر حبّنا الغفران الّذي يحمله إليه المسيح تشفى جراحه
.
حبّ الربّ انتصر على النسيان، وحتّى الموت لا يفصلني عن الّذي أحبّني
لأنّه ذهب إلى الموت لأجلي
حبّ الابن للآب انتصر على الخوف
وحبّ الآب للابن انتصر على الموت
وحبّي أنا يروي قصّة حبّهما
ومع أنّ مخاوفنا لا تزال كثيرة، لكنّنا نعلم أنّنا نقدر أن نصارعها
لأنّ الربّ انتصر على حزننا القديم وعلى يأسنا الخفيّ
وهناك، حيث تنتهي مسيرتي على الأرض، سأجد لمسته الشافية لأنّه سبقني إلى موتي
كي يكون لي فيه رجاء

ليست هناك تعليقات: