٢٠ آذار ٢٠٠٨

لقاء

خَيرٌ لَكم أَن أَذهَب (يوحنّا 16: 7)
.
أُهرُبْ يا حَبيبي وكنْ كالظَّبْيِ أَو كشادِنِ الأيَلةِ على جِبالِ الأَطْياب (نشيد الأناشيد 8: 14)
.
كثيرون يخبرون أنّ الحياة في قلب المدينة الكبرى لا تخلو من الوحدة، وأنّ الوحدة الّتي نعيشها في وسط الملايين من البشر أصعب من الوحدة الّتي يعيشها من يعتزل رفقة الناس ومن يبتعد عن معاشرتهم. يوميًّا نلتقي بعشرات الأشخاص ونشعر في نهاية اليوم أنّنا لم نلتقِ أحدًا. وكذلك في الصلاة، كثيرًا ما نشعر أنّ اللقاء لم يتمّ.
.
ما هو سرّ اللقاء؟ ما الّذي يجعل تواصلنا مع البشر سطحيًّا أحيانًا وعميقًا أحيانًا أخرى؟ كيف أحوّل التواصل اليوميّ الّذي لا يفرّج عنّي وحدتي إلى لقاء حقيقيّ أتوق إليه؟ بكلمة أخرى: كيف أكتشف أنّ الله حاضر في كلّ شيء وأنّ سرّ سعادتي وحياتي ليس بعيدًا عنّي؟
.
المفتاح الأوّل: الوقت.
حين أنظر إلى السماء في ليلة صافية أرى نجومًا كثيرة، ولكنّي إن أبقيتُ نظري موجّهًا نحو السماء بدون تركيز تأتي لحظة أكتشف فيها أنّ النجوم الّتي أراها أكثر بكثير ممّا كنتُ أظنّ. وكذلك في الصور الثلاثيّة الأبعاد: ترى خطوطًا وألوانًا لا معنى لها، ولكن إن أمعنتَ النظر بدون تركيز تجد انّ الخطوط والألوان ترسم لوحة ثلاثيّة الأبعاد. لأنّ الواقع يكشف نفسه لمن يعطيه الوقت وقد تكون وحدتنا في قلب المدينة الكبرى سببها أنّنا لا نعطي الوقت مجّانًا. صحيح أنّ بعضنا يعطي الوقت ولا يجد نتيجة. ربّما لأنّه يقضي وقته يبحث عن النتيجة. فهو لا يعطي الوقت مجّانًا. عقليّة الإنجاز الّتي تعطي قيمة للأشخاص بحسب فعاليّتهم وتدخلهم في سباق مع الزمن لا تسمح لنا بلقاء حقيقيّ. ماذا نفعل إذًا؟ نضيّع الوقت ونستغني عن الفاعليّة؟ المشكلة ليست في تطلّبات الحياة، المشكلة في رأسنا. أن أعطي الوقت لا يعني أن أخفّف من واجباتي. في بعض الحالات قد يكون هذا ضروريًّا ولكن لا في كلّ الحالات. أن أعطي الوقت يعني أن أحيا اللحظة الحاضرة لا كمن متعلّقًا بزمن مضى ولا كمن ينشدّ إلى زمن لم يأتِ بعد. كثيرًا ما أسكن في ذكرياتٍ ماضية أفضّلها على حاضر يبدو لي عقيمًا، وكثيرًا ما أسكن مشاريع سأحقّقها يومًا وسترون، ستصير حياتي أفضل. الذكريات مهمّة ولها وقتها والمشاريع ضروريّة ولها زمنها، ولكن إن لم أتعلّم أن أسكن في زمني الحاضر، أي إن لم أكن حاضرًا بكلّ طاقتي للأشخاص الحاضرين معي، أو للعمل الّذي أقوم به، أو للموسيقى الّتي أسمعها، لن أجد اللقاء المنشود. لسبب ما نريد أن نقتل الوقت الحاضر، نقتله بانشغال كاذب يقتلنا، بمتعات سخيفة لا جذور لها ولا مستقبل، بكلام وكلام على الكلام. والوقت خلق لنعيشه لا لنقتله.
.
المفتاح الثاني: تهيئة القلب.
هذا المفتاح شبيه بالأوّل، بل الأوّل جزء منه. كم أشعر بالمذلّة حين أدخل متحفًا معروفًا وأتنقّل بين روائع الفنّ ولوحات الكبار، ولكنّي أشعر أنّي لا ألتقي بهم، ولا يتمّ فيّ أيّ تفاعل. ربّما أنّ المشكلة تعود إلى أنّي لا أبحث عن أيّ لقاء. إنّ عدم انتباهنا أخطر على العالم من شرّ الأشرار لأنّهم إن لم يجدوا إزاءهم مقاومة، يعود هذا الأمر إلى غفلتنا. الغفلة هي ألاّ أكون على مستوى اللحظة الحاضرة، ألاّ أكون على مستوى الحدث الّذي يتمّ أمامي. مثلي أنا في المتحف: إن لم أضع نفسي على مستوى اللقاء أبقى وحدي معزولاً. ولكنّ تهيئة القلب تتطلّب منّي معرفة حقيقتين أساسيّتين: الأولى هي أنّي لا أصل إلى مستوى الأحداث حولي إلاّ بالتدريب وبالصبر، لأنّي أحتاج أن أعوّد قلبي إن أردتُ تهيئته وكما كلّ تربية، نحتاج إلى الحزم واللين، إلى الصبر والدفع، إلى التدريب المستمرّ. والحقيقة الثانية هي أنّ الأمور الأساسيّة في الحياة تستحقّ التحضير وأنّ العفويّة هي ما يخرج من قلبي بعد أن أكون قد حضّرته ودرّبته. العفويّة تحتاج إلى تحضير. أمّا ما يسمّيه البعض عفويّة بمعنى أنّه من غير تحضير فهو مجرّد سطحيّة تتزيّى بزيّ جميل.
.
المفتاح الثالث: الحرّيّة.
ليس اللقاء شيئًا يمكنني امتلاكه أو السيطرة عليه، وليس من لقاء إلاّ بين حرّيّتين. كلّ علاقة تتحوّل إلى منطق السلطة والخضوع لا تتضمّن لقاءً يشبع قلب الإنسان. كلّ علاقة استغلال متبادل من نوع أعطني حنانًا أعطيك متعة، أو أعطني صلاة أعطيك نعمة، أو أعطني مالاً أعطيك بركة، كلّ علاقة مثل هذه لا تتضمّن لقاء. بالطبع تتضمّن العلاقة السليمة التزامًا وتتحوّل إلى احتياج متبادل ولكنّ أساس الالتزام والفقر المتبادل هو الحرّيّة. حيث لا حرّيّة لا لقاء. لو لم يكن هذا الشرط ضروريًّا لأظهر الله نفسه بطريقة آمن به كلّ الناس، أو لكان البشر حلّوا كلّ مشاكلهم عن طريق الاستغلال المتبادل.
.
روايات قيامة يسوع في الأناجيل وفي أعمال الرسل والرسائل تروي قصّة لقاء حقيقيّ بين يسوع وتلاميذه. قبل أن يموت يسوع ويقوم لم يكن من الممكن أن يتمّ اللقاء الحقيقيّ. كثيرون رأوا يسوع وكلّموه وحيّوه ولكنّهم لم يلتقوا به. كان يسوع يمشي بين الجموع حين لمسته المنزوفة فقال: من لمسني؟ استغرب بطرس هذا السؤال لأنّ الجمع كلّه كان يزحمه ولكنّ امرأة واحدة لمسته. بعد القيامة صار جسد يسوع حضورًا حقيقيًّا لأنّه يعطي الحرّيّة لمن يلتقي بهم ولا يفرض حضوره على أحد، لذلك صار اللقاء ممكنًا بشكل تامّ. وكلّ روايات ترائي يسوع تروي هذا اللقاء. وكلّها تقوم على المفاتيح الّتي ذكرناها. هذه الروايات تقول لي اليوم أنّ لقائي أنا بالربّ ممكن، بل تقول لي إنّ لقائي بالربّ قد تمّ وسيتمّ أيضًا.

١٩ آذار ٢٠٠٨

رجاء

إِخعَلْني كخاتَمٍ على قَلبِكَ كخاتَمً على ذِراعِكَ
فإِنَّ الحُبَّ قَوِيٌّ كالمَوت والهَوى قاسٍ كمَثْوى الأَمْوات
سِهامهُ سِهامُ نار ولَهيبُ الرَّبّ
المِياهُ الغَزيرةُ لا تَستَطيعُ أَن تُطفِئَ الحُبّ والأَنْهارُ لا تَغمُرُه
ولَو بَذَلَ الإنسان كُلَّ مالِ بَيته في سَبيلِ الَحُبّ لاْحتُقِرَ اْحتِقارًا (نشيد الأناشيد 8: 6-7)
.
والرَّجاءَ لا يُخَيِّبُ صاحِبَه،َ لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا
لَمَّا كُنَّا لاَ نَزالُ ضُعَفاء، ماتَ المسيحُ في الوَقْتِ المُحدَّدِ مِن أَجْلِ قَوْمٍ كافِرين،
ولا يَكادُ يَموتُ أَحَدٌ مِن أَجْلِ امرِئٍ بارّ، ورُبَّما جَرُؤَ أَحَدٌ أَن يَموتَ مِن أَجْلِ امرِئٍ صالِح.
أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنًَّا خاطِئين (روما 5: 5-8)

.
ربّما كان خوفنا الأكبر والأعمق هو خوفنا من أن يخفق الحبّ
.
للوهلة الأولى يبدو هذا الكلام مبالغًا فيه. ما عساها تقول تلك الأمّ الّتي ترى ابنها يموت عطشًا أمام عينيها وليس بمقدورها أن تفعل شيئًا؟ أليس خوفها من الجفاف أكبر؟ أم هؤلاء وما أكثرهم الّذين يرزحون تحت وطأة الحروب، أليس خوفهم الأكبر هو أن تشتعل السماء بالقنابل؟ بل ما أبسط مخاوفنا اليوميّة وما أرهبها: أن يطردني ربّ العمل في زمن لا يجد فيه المرء عملاً إن لم تكن له معارف متينة، أن يشتدّ البرد على مدينة فيها من ليس له سقف يحتمي تحته، أن ينشغل والديّ عنّي بالعمل "في سبيلي" أو أن أقضي أمسية أخرى لا رفيق لي من البشر.
.
أليست هذه المخاوف أكبر من أن يخفق الحبّ؟
بل هي كلّها أمثلة عن إخفاق الحبّ.
فمغامرة البشريّة كلّها ليست إلاّ جوابًا لم ينته بعد عن هذا السؤال: هل الإنسان قادر على الحبّ أم لا؟
وفي تحدّيات الحبّ اليوميّة يجد تاريخ البشر معناه
في علاقتي بحبيبتي، في علاقتي بأفراد عائلتي، بأقاربي وجيراني وزملائي، في علاقتي بالبشر أقول كلمتي لو أنّ الحبّ ينتصر أو يخفق، لو أنّ للسلام فرصة وللأخوّة مكان في عالمنا. هذا المكان أنا أحضّره. فما أعظم مسؤوليّتي.
.
حين قال يسوع أنّ فلسي الأرملة يبنيان هيكلاً أجمل وأبقى من الهيكل الّذي تبنيه أموال الأغنياء كان يعني أنّ مصير الله بين البشر لا تحدّده الأموال والسلاطين ولكنّه يعمل في قلب امرأة تلقي ما عندها لأجل من تحبّ.
.
ولكن إن كان مصير الله بين البشر يتعلّق بحبّنا فيا لنا من أشقياء تعساء. فحبّنا محدود ومشروط.
إلى أيّ مدى أنا مستعدّ أن أذهب في سبيل الحبّ؟
هذا السؤال هو امتحان الحبّ
أطرحه على نفسي فأتيه إمّا في الكبرياء وإمّا في اليأس وكلاهما سيّان
أطرحه على حبيبي فيبتعد عنّي وأغرق في وحدتي وحزني
ما أكثر العلاقات الّتي تتلف لأنّها تتطلّب البراهين، لأنّها تطرح الامتحان الصعب
وفي هذا الامتحان نرسب لأنّ حبّنا محدود ومشروط
.
حبّنا في صراع
صراع ضدّ النسيان، صراع ضدّ الملل، ضدّ الزمن، ضدّ الموت
وطالما يصارع حبّنا وحيدًا لا رجاء له
حين يروي حبّنا قصّة حبّ أعظم، قصّة حبّ يذهب إلى النهاية، يجد حبّنا رجاء جديدًا
حين يرتوي حبّنا من حبّ غير مشروط وغير محدود يجد طاقة جديدة ليكمل الصراع
حين يختبر حبّنا الغفران الّذي يحمله إليه المسيح تشفى جراحه
.
حبّ الربّ انتصر على النسيان، وحتّى الموت لا يفصلني عن الّذي أحبّني
لأنّه ذهب إلى الموت لأجلي
حبّ الابن للآب انتصر على الخوف
وحبّ الآب للابن انتصر على الموت
وحبّي أنا يروي قصّة حبّهما
ومع أنّ مخاوفنا لا تزال كثيرة، لكنّنا نعلم أنّنا نقدر أن نصارعها
لأنّ الربّ انتصر على حزننا القديم وعلى يأسنا الخفيّ
وهناك، حيث تنتهي مسيرتي على الأرض، سأجد لمسته الشافية لأنّه سبقني إلى موتي
كي يكون لي فيه رجاء

١٧ آذار ٢٠٠٨

شفاء

ولمَّا كانَ المساء، أَتَوه بِكثيرٍ مِنَ المَمسُوسين، فَطَرَدَ الأَرواحَ بِكَلِمَةٍ مِنه، وشَفى جَميعَ المَرْضى، لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: هوَ الَّذي أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا - متّى 8: 16-17
.
في الصباح علّم يسوع الجموع، وفي المساء، عند غياب الشمس، حين لا يفضح النور ما نريد أن نكتمه، خرجنا ومعنا جروحنا، ومعنا مرضانا. كلّمنا في الصباح بكلمات لم يكلّمنا بها أحد. دخل إلى قلوبنا ونحن نثق به. نثق أنّه لن يسخر من ضعفنا ولن يحكم علينا. قال إنّه أتى من أجل المرضى لا من أجل الأصحّاء وأنّ من يدّعي أنّه سليم صحيح وينظر بتعالٍ إلى الآخرين سيجد نفسه وحيدًا في أوهامه، أمّا الّذي يقرع الباب سيجد من يفتح له. ذكّرنا بكلام أشعيا النبيّ الّذي قال إنّ خادم الربّ لا يكسر القصبة المرضوضة ولا يطفئ الفتيل المدخّن. ونحن كالقصبة المرضوضة وكالفتيل المدخّن. لهذا خرجنا في الليل. في الليل، تحت ستار الظلام، نعم، لأنّ الخوف ما يزال يطبق علينا، ولكنّا خرجنا لأنّ الرجاء بدأ يشرق فينا
.
بطرس واحد منّا، لم يسلم بيته من المرض ولم يسلم قلبه من اليأس. ولكنّ بيته صار بيتنا جميعًا منذ أن دخله يسوع. ونحن نعلم أنّ من يشفيه يسوع يستقبل في بيته كلّ من يطلب الشفاء. نعلم أنّنا وإن كنّا ضعفاء غير قادرين على تخليص أنفسنا، إلاّ أنّ الربّ الّذي فتحنا له بابنا يعمل فينا من أجل الآخرين ويخرج من أغصاننا اليابسة فروعًا خضراء حيّة تعطي الثمار للكثيرين. نعلم أيضًا أنّه حين يطبق اليأس على عيوننا لا نرى الفروع الخضراء ولا نرى ثمار الحياة ولكنّنا نعرف أنّ من وعدنا بالحياة صادق
.
هل أضحك على نفسي؟ هل أقنع نفسي بما لا يصدّق؟ هل اشتدّ عليّ المرض حتّى أنّي صرت ضحيّة السراب؟ هل أوهم نفسي بشفاء ليس موجودًا؟ ولمَ يكون يسوع هذا أحسن من غيره؟ لمَ يكون أحسن من تجّار السعادة الّذين نراهم في كلّ مكان؟ ولكنّ كلماته أخرجتني من ظلمتي لأنّه لا يتكلّم مثل الآخرين. هم يريدوني أن أنسى ألمي وهو يلتقيني في ألمي. هم يعدوني بمستقبل يعوّض عليّ حزن الماضي وهو يعدني بمستقبل يعطي الماضي معنى ويسير به إلى غايته. هم لا يقدرون أن يشفوا الزمن الّذي ولّى أمّا هو فيعدني بالقيامة
.
وكيف؟ هل المعجزات سحر؟ إن كان لديه هذه القدرة لمَ يختفي في بيت حقير؟ لمَ يختبئ في جسم إنسان؟ لم يتعرّض للإهانة وللموت مثلنا؟ ولكنّ معجزاته ليست سحرًا. معجزاته هي تبادل: يأخذ منّي مرضي ويعطيني صحّته، يأخذ منّي موتي ويعطيني حياته. يقول: قصّتك هي قصّتي، أحزانك أحزاني وأفراحك أفراحي، ألمك آلامي وتعبك تعبي وراحتك راحتي. قصّتك قصّتي وقصّتي قصّتك ولأنّ قصّتي تبدأ عند الله وتنتهي عند الله فأنت قصّتك لم تبدأ يوم ولدتَ أنتَ بل بدأت يوم ولدني الآب قبل كلّ الدهور، وقصّتك لن تنتهي حين تلفظ أنفاسك الأخيرة بل ستبقى بالله للأبد
.
يقول: قد وحّدتُ مصيرك بمصيري وأبي هو اليوم أبوك، وإلهك هو اليوم إلهي، روحي هو اليوم فيك ولك ومعك. أنا لحبيبي وحبيبي لي. ألق حملك عليّ وخذ حملي والقه عليك. وحين يشفى قلبك سيتّسع بيتك لإخوتي كلّهم
.
أدخل البيت. على يميني منزوفة تضيع حياتها هدرًا ولا تستطيع التوقّف كما أنا يضيع منّي الوقت وكلّما حاولت تنظيمه ازداد إهداره، كما أنا أهدر حياتي في إدماني، في قلقي، في حيائي، في كسلي. وعلى شمالي مشلول يحمله إخوته على وجهه أقرأ رغبة في المغفرة أكثر من الرغبة في المشي، وكأنّ إرادته مشلولة أكثر من جسده. أقف أمام الربّ. ينظر إليّ وأنظر إليه. أفهم أنّه عرف كلّ شيء. ولا أرى حكمًا في عينيه، ولا حتّى شفقة، بل أرى تصميمًا وكأنّه يأخذ قرارًا، أرى صلاة وكأنّه يذكرني باسمي أمام أبيه، أرى في عينيه أنّه سيمضي من أجلي إلى حيث أنا لا أجرؤ على الذهاب
.
قال بطرس للربّ: أتبعك حيث تمضي. قال الربّ: ستنكرني ولكن لا تخف لأنّي سأدعو لك لكي لا تفقد إيمانك وحين تعود تثبّت إخوتك. قال بطرس: لا بل أمضي معك. قال الربّ: حيث أمضي لا تستطيع اليوم أن تأتي، ولكنّك ستأتي لاحقًا
.
أعلم يا ربّ وفي قلبي غصّة أنّي لا أستطيع أن أبذل ذاتي من أجلك. لا زلت أنانيًّا ولم أشفَ بعد. يؤلمني أن أراك تمشي الطريق من أجلي وأنا أختبئ. ولكنّي أومن بكلامك: تعدني أنّي سأتبعك يومًا وأنا أعرف أنّ وعودك صادقة

١٦ آذار ٢٠٠٨

شفاء ورجاء ولقاء

إلى أيّ مدى أنت مستعدّ للذهاب في سبيل شخص تحبّه
أو في سبيل حلم يراودك، أو في سبيل حياة أوفر؟

إلى أيّ مدى أنت مستعدّ للذهاب في سبيل العائلة؟
أو في سبيل عملك؟ من أجل الامتياز والتقدير؟ من أجل الرضى عن الذات؟
ما الّذي تعطيه في سبيل الحصول على رغبة قلبك؟

وما هي رغبة قلبي؟
أليست أن أشعر أنّي حيّ، أنّ الحياة تتدفّق منّي؟
أليست أن أشعر أنّي محبوب، وأنّ هناك من يذهب بعيدًا في سبيلي أنا؟
أليست أن يكون لي من أبذل حياتي في سبيله؟ من أذهب بعيدًا لأجله؟

رغبة قلبي لقاء حقيقيّ يخرجني من عزلتي، يعطي حياتي مذاقًا، يدفعني إلى الحياة، يدعوني إلى الوجود، يخفّف من وطأة الوقت ويملأ الفراغ وينسيني الحزن

رغبة قلبي أن أحلم وأن أسعى وراء حلمي، وأراه يولد وينمو ويثمر
أن أرى ثمار خصوبتي وأفرح بها لأنّها حياة تخرج منّي

رغبة قلبي قلب جديد لا ينبض لأنّ لا خيار آخر له فحسب، بل ينبض بحرّيّة لينشد نشيد السماء والأرض ويرقص على إيقاع البحر والمطر، ويروي قصّة الأرزة والشمس

قلب جديد... من لي بقلب جديد؟
بقلب يبتهج بشبابه بدلاً من هذا القلب الّذي يعاني الشيخوخة قبل الأوان
بقلب غير قاس وقد زالت عنه ذكريات الموت
من يأخذ منّي قلب الحجر ويعطيني مكانه قلبًا من لحم، كما يقول الكتاب المقدّس؟

شفاء ورجاء ولقاء: أليس هذا ما يعدني به الكتاب المقدّس؟
أليس هذا ما أتى المسيح ليحقّقه فينا؟

نعمة عيد الفصح هي شفاء ورجاء ولقاء
وهذه النعمة تنتظر كلّ من ينتظرها في الأيّام المباركة الآتية
فلكي لا نمرّ قرب رغبة قلبنا ولا نراها
لكي لا يأتي زمن افتقادنا ولا نعرفه
لكي لا يكون خلاصنا في متناول أيدينا وقصّة حياتنا تُروى لنا ونحن غافلون
نريد أن نوقظ قلبنا وننبّهه
أن نبشّره ونعزّيه وندلّه على مصدر فرحه
أن ندرّبه على النعمة الّتي تنتظره

في أيّام ثلاثة نسير مسيرة الشفاء والرجاء واللقاء
وفي أيّام الفصح الثلاثة يحقّق فينا الربّ مواعيده