خَيرٌ لَكم أَن أَذهَب (يوحنّا 16: 7)
.
أُهرُبْ يا حَبيبي وكنْ كالظَّبْيِ أَو كشادِنِ الأيَلةِ على جِبالِ الأَطْياب (نشيد الأناشيد 8: 14)
.
كثيرون يخبرون أنّ الحياة في قلب المدينة الكبرى لا تخلو من الوحدة، وأنّ الوحدة الّتي نعيشها في وسط الملايين من البشر أصعب من الوحدة الّتي يعيشها من يعتزل رفقة الناس ومن يبتعد عن معاشرتهم. يوميًّا نلتقي بعشرات الأشخاص ونشعر في نهاية اليوم أنّنا لم نلتقِ أحدًا. وكذلك في الصلاة، كثيرًا ما نشعر أنّ اللقاء لم يتمّ.
.
ما هو سرّ اللقاء؟ ما الّذي يجعل تواصلنا مع البشر سطحيًّا أحيانًا وعميقًا أحيانًا أخرى؟ كيف أحوّل التواصل اليوميّ الّذي لا يفرّج عنّي وحدتي إلى لقاء حقيقيّ أتوق إليه؟ بكلمة أخرى: كيف أكتشف أنّ الله حاضر في كلّ شيء وأنّ سرّ سعادتي وحياتي ليس بعيدًا عنّي؟
.
المفتاح الأوّل: الوقت.
حين أنظر إلى السماء في ليلة صافية أرى نجومًا كثيرة، ولكنّي إن أبقيتُ نظري موجّهًا نحو السماء بدون تركيز تأتي لحظة أكتشف فيها أنّ النجوم الّتي أراها أكثر بكثير ممّا كنتُ أظنّ. وكذلك في الصور الثلاثيّة الأبعاد: ترى خطوطًا وألوانًا لا معنى لها، ولكن إن أمعنتَ النظر بدون تركيز تجد انّ الخطوط والألوان ترسم لوحة ثلاثيّة الأبعاد. لأنّ الواقع يكشف نفسه لمن يعطيه الوقت وقد تكون وحدتنا في قلب المدينة الكبرى سببها أنّنا لا نعطي الوقت مجّانًا. صحيح أنّ بعضنا يعطي الوقت ولا يجد نتيجة. ربّما لأنّه يقضي وقته يبحث عن النتيجة. فهو لا يعطي الوقت مجّانًا. عقليّة الإنجاز الّتي تعطي قيمة للأشخاص بحسب فعاليّتهم وتدخلهم في سباق مع الزمن لا تسمح لنا بلقاء حقيقيّ. ماذا نفعل إذًا؟ نضيّع الوقت ونستغني عن الفاعليّة؟ المشكلة ليست في تطلّبات الحياة، المشكلة في رأسنا. أن أعطي الوقت لا يعني أن أخفّف من واجباتي. في بعض الحالات قد يكون هذا ضروريًّا ولكن لا في كلّ الحالات. أن أعطي الوقت يعني أن أحيا اللحظة الحاضرة لا كمن متعلّقًا بزمن مضى ولا كمن ينشدّ إلى زمن لم يأتِ بعد. كثيرًا ما أسكن في ذكرياتٍ ماضية أفضّلها على حاضر يبدو لي عقيمًا، وكثيرًا ما أسكن مشاريع سأحقّقها يومًا وسترون، ستصير حياتي أفضل. الذكريات مهمّة ولها وقتها والمشاريع ضروريّة ولها زمنها، ولكن إن لم أتعلّم أن أسكن في زمني الحاضر، أي إن لم أكن حاضرًا بكلّ طاقتي للأشخاص الحاضرين معي، أو للعمل الّذي أقوم به، أو للموسيقى الّتي أسمعها، لن أجد اللقاء المنشود. لسبب ما نريد أن نقتل الوقت الحاضر، نقتله بانشغال كاذب يقتلنا، بمتعات سخيفة لا جذور لها ولا مستقبل، بكلام وكلام على الكلام. والوقت خلق لنعيشه لا لنقتله.
.
المفتاح الثاني: تهيئة القلب.
هذا المفتاح شبيه بالأوّل، بل الأوّل جزء منه. كم أشعر بالمذلّة حين أدخل متحفًا معروفًا وأتنقّل بين روائع الفنّ ولوحات الكبار، ولكنّي أشعر أنّي لا ألتقي بهم، ولا يتمّ فيّ أيّ تفاعل. ربّما أنّ المشكلة تعود إلى أنّي لا أبحث عن أيّ لقاء. إنّ عدم انتباهنا أخطر على العالم من شرّ الأشرار لأنّهم إن لم يجدوا إزاءهم مقاومة، يعود هذا الأمر إلى غفلتنا. الغفلة هي ألاّ أكون على مستوى اللحظة الحاضرة، ألاّ أكون على مستوى الحدث الّذي يتمّ أمامي. مثلي أنا في المتحف: إن لم أضع نفسي على مستوى اللقاء أبقى وحدي معزولاً. ولكنّ تهيئة القلب تتطلّب منّي معرفة حقيقتين أساسيّتين: الأولى هي أنّي لا أصل إلى مستوى الأحداث حولي إلاّ بالتدريب وبالصبر، لأنّي أحتاج أن أعوّد قلبي إن أردتُ تهيئته وكما كلّ تربية، نحتاج إلى الحزم واللين، إلى الصبر والدفع، إلى التدريب المستمرّ. والحقيقة الثانية هي أنّ الأمور الأساسيّة في الحياة تستحقّ التحضير وأنّ العفويّة هي ما يخرج من قلبي بعد أن أكون قد حضّرته ودرّبته. العفويّة تحتاج إلى تحضير. أمّا ما يسمّيه البعض عفويّة بمعنى أنّه من غير تحضير فهو مجرّد سطحيّة تتزيّى بزيّ جميل.
.
المفتاح الثالث: الحرّيّة.
ليس اللقاء شيئًا يمكنني امتلاكه أو السيطرة عليه، وليس من لقاء إلاّ بين حرّيّتين. كلّ علاقة تتحوّل إلى منطق السلطة والخضوع لا تتضمّن لقاءً يشبع قلب الإنسان. كلّ علاقة استغلال متبادل من نوع أعطني حنانًا أعطيك متعة، أو أعطني صلاة أعطيك نعمة، أو أعطني مالاً أعطيك بركة، كلّ علاقة مثل هذه لا تتضمّن لقاء. بالطبع تتضمّن العلاقة السليمة التزامًا وتتحوّل إلى احتياج متبادل ولكنّ أساس الالتزام والفقر المتبادل هو الحرّيّة. حيث لا حرّيّة لا لقاء. لو لم يكن هذا الشرط ضروريًّا لأظهر الله نفسه بطريقة آمن به كلّ الناس، أو لكان البشر حلّوا كلّ مشاكلهم عن طريق الاستغلال المتبادل.
.
روايات قيامة يسوع في الأناجيل وفي أعمال الرسل والرسائل تروي قصّة لقاء حقيقيّ بين يسوع وتلاميذه. قبل أن يموت يسوع ويقوم لم يكن من الممكن أن يتمّ اللقاء الحقيقيّ. كثيرون رأوا يسوع وكلّموه وحيّوه ولكنّهم لم يلتقوا به. كان يسوع يمشي بين الجموع حين لمسته المنزوفة فقال: من لمسني؟ استغرب بطرس هذا السؤال لأنّ الجمع كلّه كان يزحمه ولكنّ امرأة واحدة لمسته. بعد القيامة صار جسد يسوع حضورًا حقيقيًّا لأنّه يعطي الحرّيّة لمن يلتقي بهم ولا يفرض حضوره على أحد، لذلك صار اللقاء ممكنًا بشكل تامّ. وكلّ روايات ترائي يسوع تروي هذا اللقاء. وكلّها تقوم على المفاتيح الّتي ذكرناها. هذه الروايات تقول لي اليوم أنّ لقائي أنا بالربّ ممكن، بل تقول لي إنّ لقائي بالربّ قد تمّ وسيتمّ أيضًا.